فصل: كتاب العلم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ***


كتاب الصدقة

باب الترغيب في الصدقة

1876- مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب سعيد بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا كان إنما يضعها في كف الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا وتابعه أكثر الرواة للموطأ على إرساله وممن تابعه بن وهب وبن القاسم وأبو المصعب ومطرف ورواه بن بكير ومعن بن عيسى مسندا عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك رواه بن عجلان - وكان ثقة - عن أبي الحباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا الخشني قال حدثنا بن أبي عمر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن بن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب فيضعها في حق ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب - إلا كان كأنما وضعها في يد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه وفصيله حتى إن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم قال سفيان ألم تعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وقال ‏(‏ يمحق الله الربوا ويربى الصدقت‏)‏ ‏[‏البقرة 267‏]‏‏.‏

قال أبو عمر كان بن عيينة كثيرا ما يفسر الحديث بالقرآن وكان عالما بتأويل القرآن والحديث ومعنى ما قاله بن عيينة موجود عن بن مسعود قال إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل وتلا ‏(‏وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏)‏ ‏[‏الشورى 25‏]‏‏.‏

وروى معمر عن أيوب عن القاسم بن محمد عن أبي هريرة قال إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه وذكر معنى حديث مالك عن يحيى بن سعيد في هذا الباب‏.‏

وأما قوله يأخذها بيمينه فهذا مجاز وحسن عبارة عن قبول الله تعالى للصدقة ومعنى أخذ الله لها قبوله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء وليس كمثله شيء وهو السميع العليم وفي هذا الحديث إن الله لا يقبل من الصدقة إلا الطيب والطيب الحلال بهذا جاء القرآن فقال ‏(‏كلوا من الطيبت واعملوا صلحا‏)‏ ‏[‏المؤمنون 51‏]‏‏.‏

وقال ‏(‏كلوا مما في الأرض حللا طيبا‏)‏ ‏[‏البقرة 168‏]‏‏.‏

وفي فضل الصدقة آثار كثيرة قد ذكرنا ما حضرنا ذكره في التمهيد منها ما حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن بجير القاضي قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الحكم بن يعلى قال حدثنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الصدقة لتطفىء عن أهلها حر القبور وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة رواه عدي بن حاتم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

1877- مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما أنزلت هذه الآية ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ آل عمران 92 قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ‏!‏ إن الله تبارك وتعالى يقول ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ آل عمران 92 وإن أحب أموالي إلى بيرحاء وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ‏!‏ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيه وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه قال أبو عمر هكذا روى هذا الحديث أكثر رواة الموطأ عن مالك كلهم قال فيه فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه وكذلك رواه علي بن عبد العزيز عن القعنبي عن مالك ورواه إسماعيل بن إسحاق عن القعنبي فقال فيه فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقاربه وبني عمه ولم يختلف العلماء أن الأقارب وبني العم ها هنا هم أقارب أبي طلحة لا أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره وقد روي ذلك منصوصا من رواية الثقاة أيضا حدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا بشر بن الوليد قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال لما نزلت هذه الآية ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ آل عمران 92 جاء أبو طلحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر قال وكانت دار بن جعفر والدار التي تليها إلى قصر بن جدلية حوائط لأبي طلحة وقد كان قصر بني جديلة حائطا لأبي طلحة يقال له بيرحاء وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها ويأكل من تمرها فجاء أبو طلحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال إن الله يقول ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ وإن أحب أموالي إلى بيرحاء فهي لله ولرسوله أرجو بره وزخره اجعلها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ بذلك يا أبا طلحة مال رابح قد قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه فكان منهم أبي بن كعب وحسان بن ثابت قال فباع حسان نصيبه من معاوية فقيل له يا حسان تبيع صدقة أبي طلحة فقال ألا أبتع صاعا من تمر بصاع من دراهم‏.‏

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا أبي عن تمامة عن أنس وحميد الطويل عن أنس وهذا لفظ أبي قال أنس كانت لأبي طلحة أرض فجعلها لله تعالى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له اجعلها في أقاربك فجعلها لحسان وأبي قال أنس وكانا أقرب إليه مني أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود قال وبلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حزام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وحسان بن ثابت بن المنذر بن حزام يجتمع مع أبي طلحة وحسان في حزام قال وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار قال الأنصاري بين أبي طلحة وأبي ستة آباء قال وعمرو بن مالك يجمع حسانا وأبيا وأبا طلحة قال أبو عمر قد ذكرنا في التمهيد ما بد إلينا من وجوه معاني حديث أنس في قصة أبي طلحة وتقصينا ذلك هناك ونذكر ها هنا طرفا فمن ذلك أنه جائز أن يضيف إلى الرجل الفاضل حب المال وجائز أن يضيف ذلك إلى نفسه وقد قال أبو بكر لعائشة ما أجد أحب إلي غنى منك ولا أعز علي فقرا منك وفيه إباحة دخول جنات الأصدقاء والإخوان الأصفياء والأكل من ثمارها والشرب من مائها بغير إذنهم وذلك كله إذا علم أن نفس صاحبها تطيب بذلك ولم يكن ممن يتشاح الناس فيه وكان تافها وقيل إن كسب العقار من شأن الأبرار وأن اكتساب ذلك بالهبة وغير الهبة مباح حلال أخذ الناس فيه وكان تائها لا باد لهم وفيه دليل على أنه يستعذب الماء للفضلاء الجلة العلماء وفيه أن من أخرج شيئا من ماله فجائز جعله حيث أراه الله من سبل الخير وجائز أن يشاور فيه ويصدر عنه برأي من يثق برأيه في ذلك وليس ذلك وجه معلوم لا يتعدى كما قال من قال معنى قول الرجل لله وفي سبيل الله كذا دون كذا وفيه دليل على أن الصدقة على الأقارب الفضلاء من أعمال البر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشهد إلا بالأفضل من الأعمال وقد قالوا الصدقة على الأقارب صدقة وصلة وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على العتق بدليل حديث بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت كانت لي جارية فأعتقتها فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال آجرك الله لو أعطيتها إخوانك كان أعظم لأجرك حدثنا عبد الله قال حدثنا حمزة قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا هناد بن السري عن عبدة عن بن إسحاق عن بكير بن الأشج فذكره وروى سفيان بن عيينة قال حدثنا محمد بن المنكدر قال لما نزلت ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ آل عمران 92 قال زيد بن حارثة اللهم إنك تعلم أنه ليس مال أحب إلي من فرسي هذا وكان له فرس يقال له سبل فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا في سبيل الله فقال لأسامة اقبضه فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد قبلها منك وروى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن المنكدر مثله‏.‏

1878- مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطوا السائل وإن جاء على فرس قال أبو عمر لا أعلم في هذا الحديث خلافا وقد روي معناه من حديث حسين بن علي ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من الفقه الحض على إعطاء السائل وهذا عندي مرتب على ما قد مضى في هذا الكتاب من الأحاديث المسندة الصحاح في كراهة السؤال لمن معه ما يعد به وما يعيشه وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى يعني قويا على الخدمة والاكتساب بهما وإذا كان السائل لا يقدر على التصرف في السؤال إلا بدابة تحمل راحلته ولم يكن له معيشة ولا حرفة فجائز له السؤال -والله أعلم- على ظاهر هذا الحديث على أنه حديث ليس مما تقطع به الحجة وقد اختلف الفقهاء في من تحل له الصدقة المفروضة ورأوا - أو رأى أكثرهم - أن من لم يكن له في داره فضل على سكناه ولا في خادمه فضل عن من يقوم بخدمته وكذلك الدابة إذا احتاج إليها وليس له مال غيرها أنه فقير تحل له الصدقة وقد ذكرنا اختلافهم في هذا المعنى في ما سلف من كتابنا هذا - والحمد لله والحديث الذي ذكرناه حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا وكيع عن سفيان عن مصعب عن يحيى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس وقد روي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن السؤال يكذبون ما أفلح من ردهم وهذه أحاديث ليست بالقوية وقد ذكرنا أسانيدها في التمهيد‏.‏

1879- مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأشهلي الأنصاري عن جدته أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن إن تهدي لجارتها ولو كراع شاة محرقا قال أبو عمر الرواية المشهورة في هذا الحديث يا نساء المؤمنات على نصب النداء وجر المؤمنات على معنى قول النحويين مسجد الجامع وحسن الوجه كأنه إضافة الشيء إلى بعضه وهذا الذي اختاره العلماء الخشني وغيره - رحمه الله وقد أنكر قوم هذا المعنى لم يتسعوا في العربية هذا الاتساع وأنكروا هذه الرواية ورووها بالرفع كأنه قال يا أيها النساء المؤمنات قال صاحب العين الكراع من الإنسان والدواب وسائر المواشي هو ما دون الكعب وفي هذا الحديث الحض على الصلة والهدية إلى الجار بقليل الشيء وكثيره وفي ذلك دليل على أن التأكيد في بره وحفظه فكل من أمرت بإلطافه وصلته فقد نهيت عن أذاه والإضرار به ولا ينبغي لأحد أن يحقر من المعروف وسائر عمل الخير قليلا ولا تافها لأن الله يقبل اليسير ويضاعفه ويربيه كما يربى الإنسان فلوه ولقد أحسن محمود الوراق قوله‏:‏

لو قد رأيت الصغير من فعل الخي *** ثوابا عجبت من كبره

أو قد رأيت الكبير من عمل الشر *** جزاء أشفقت من حذره

1880- مالك أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاة لها أعطيه إياه فقالت ليس لك ما تفطرين عليه فقالت أعطيه إياه قالت ففعلت قالت فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا شاة وكفنها فدعتني عائشة أم المؤمنين فقالت كلي من هذا هذا خير من قرصك قال أبو عمر هذا من المال الرابح والفعل الزاكي عند الله يعجل منه ما يشاء ولا ينقص ذلك فما يذخر عنه من ترك شيئا لله لم يجد فقره وعائشة - رضي الله عنها - في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة وأن من فعل ذلك فقد وقي شح نفسه وأفلح فلا حاجة لإحسان بعده وفي هذا المعنى ما حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن أسد قال حدثنا محمد بن مسروق العسال قال حدثنا القيروان قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا الحسن بن الحسن المروذي قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا محمد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن نافع أن بن عمر اشتكى أو اشتهى عنبا فاشترى له عنقودا بدرهم فجاء مسكين فقال أعطوه إياه فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ثم جاء به إلى بن عمر فجاء المسكين يسأل فقال أعطوه إياه ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ثم جاء به فأراد السائل أن يرجع فمنع ولو علم بن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه‏.‏

وأما قوله شاة وكففها فإن العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم يأتون إلى الشاة أو الخروف فإذا سلخوه غطوه كله بعجين دقيق البر وكفنوه فيه ثم علقوه في التنور فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن وذلك من طيب الطعام عندهم‏.‏

1881- قال مالك بلغني أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت عائشة أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة قال أبو عمر قد جاء مثل هذا عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أمامة الدارمي أن سائلا أتى عبد الرحمن بن عوف وبين يديه طبق عليه عنب فأعطاه عنبة فقال أين تقع هذه منه قال فيها مثاقيل ذر كثيرة وحماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل وبين يديه طبق عليه تمر فأعطاه تمرة فقبض يده فقال سعد إن الله يقبل منها مثقال الذرة والخردلة وكم في هذه من مثاقيل الذرة قال أبو عمر قال الله تعالى ‏(‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏)‏ ‏[‏الزلزلة 7‏]‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة ومن اعتاد الصدقة تصدق مرة بالكثير ومرة باليسير ألا ترى أن عائشة في الحديث قبل هذا آثرت السائل بفطرها كله وفي هذا الحديث أعطته حبة عنب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للهجيمي لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وقد مضى هذا المعنى بأوضح من هذا في ما تقدم من هذا الكتاب وبالله التوفيق‏.‏

باب ما جاء في التعفف عن المسألة

1882- مالك عن بن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده ثم قال ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغني يغنيه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر وفي هذا الحديث من الفقه إعطاء السائل مرتين من مال واحد وفيه حجة لمن قال يعطى الفقير باسم الفقر وباسم بن السبيل من مال واحد فكذلك سائر سهام الصدقات وقياسه عندهم الوصايا يجيزون لمن أوصى لهم بشيء وإذا قبضه أن يعطي مع المساكين إن كان ذلك الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة وكذلك سائر أنواع الوصايا وأبى من ذلك بن القاسم وطائفة من الكوفيين وفيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السخاء والكرم لأنه كان كثيرا ما يعطي من سهمه وصميم ماله وفيه الاعتذار إلى السائل إذا لم يجد ما يعطيه وفيه الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر والتوكل على الله وانتظار رزق الله وذلك أفضل ما أعطيه المؤمن‏.‏

1883- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة قال أبو عمر رواه أيوب عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال اليد العليا المتعففة وقد ذكرنا إسناده في التمهيد ورواية مالك أولى بالصواب بدليل حديث طارق المحاربي رواه يزيد بن زياد عن أبي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق المحاربي قال قدمت المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر يخطب الناس ويقول يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك وقد ذكرنا إسناده في التمهيد وروى سفيان بن عيينة عن بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي دينار قال أنفقه على نفسك فقال عندي آخر فقال أنفقه على ولدك قال عندي آخر قال أنفقه على زوجتك قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم قال أبو عمر قد مضى في باب الوصية حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها حتى ما تضعه في في امرأتك وهذا كله تفسير معنى وابدأ بمن تعول وأن الأجر في من تعول أفضل لأن عمل الفرض أفضل من التطوع روى سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن الشعبي قال إن من النفقة التي تضاعف سبعمائة ضعف نفقة الرجل على أهله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المعطية رواه جماعة من الصحابة من طرق شتى ذكرناها في التمهيد منها ما رواه بن وهب عن بن لهيعة وحيوة بن شريح عن محمد بن عجلان قال سمعت القعقاع بن حكيم يحدث عن عبد الله بن عمر أن عبد العزيز بن مروان كتب إليه أن ارفع إلى حاجتك فكتب إليه عبد الله بن عمر يقول إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وإني لا أحسب اليد العليا إلا المعطية ولا السفلى إلا السائلة وإني غير سائلك شيئا ولا راد رزقا ساقه الله إلي منك والسلام قال أبو عمر هذا أصل في قبول جوائز السلطان من غير سؤال وكان بن عمر يقبل جوائز عبد العزيز بن مروان وهدايا المختار وحسبك به علما وورعا وقد ذكرنا ما من النفقات فرض وما منها سنة وما منها تطوع وندب في التمهيد وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتح إنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر وفي حديث مالك معان مستنبطة قد ذكرتها في التمهيد وهي واضحة لمن تدبرها‏.‏

1884- مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم رددته فقال يا رسول الله أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق يرزقكه الله فقال عمر بن الخطاب أما والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته قال أبو عمر هذا قول الفقه والعلم الصحيح ما لم يعلم الشيء حراما بعينه يمكن استحقاقه من يد من هو في يده ولم يبن له من السنة والعلم ما بان لعمر بن الخطاب من فحوى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بعيد من الصواب‏.‏

وأما السؤال فمكروه على كل حال لا يجوز لمن له ما يعد ويعيشه إذا كان طعاما بمثل ذلك في غده وما بعده وقد روي حديث عمر هذا مسندا من وجوه صحاح منها حديث بن شهاب عن سالم عن أبيه ومنها حديث هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وقد ذكرناها في التمهيد ومن طرقها ما رواه بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن بن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر العطاء فيقول يا رسول الله أعطيه من هو أفقر إليه مني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خذه فتموله أو تصدق به وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك قال سالم فمن أجل ذلك كان بن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه وقد روى هذا الحديث عن بن شهاب جماعة منهم معمر والزبيري وشعيب بن أبي حمزة ورواه بن عيينة عن معمر عن الزهري بإسناده ومعناه إلا أن منهم من لم يذكر كلام سالم ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الهدية رزق من رزق الله فمن أهدي له شيء فليقبله ولا يرده وليكافئ عليه ومن حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من عرض له شيء من الرزق من غير أن يسأله فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه والآثار المرفوعة في هذا كثيرة قد ذكرنا كثيرا منها في التمهيد وقال أبو الدرداء أيضا إذا أعطاك أخوك شيئا فاقبله منه فإن كان لك فيه حاجة فاستمتع به وإن كنت غنيا فتصدق به ولا تنفس عن أخيك أن يأجره الله فيك وعن أبي الدرداء أيضا أنه قال إن أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يخلق له دينارا ولا درهما وإنما يرزق بعضكم من بعض فإذا أعطي أحدكم شيئا فليقبله وإن كان غنيا فليضعه في أهل الحاجة من إخوانه وإن كان فقيرا فليستعن به على حاجته ولا يرد على الله رزقا رزقه وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في التمهيد والحمد لله‏.‏

1885- مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه هكذا رواه يحيى ليأخذ أحدكم وتابعه أكثر رواة الموطأ على ذلك فقالت منهم طائفة لأن يأخذ منهم معن بن عيسى وبن نافع وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه منها حديث بن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه وغيره من مسند هذا الباب في التمهيد ومن أحسنها ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر النمري قال حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء اتقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بد قال أبو عمر هذا حديث صحيح ثابت وهو أصل عند العلماء في سؤال السلطان خاصة وقبول جوائزه وأعطيته على كل حال ما لم يعلمه حراما بعينه وعموم هذا الحديث يقتضي جميع السلاطين والأمراء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها الحديث‏.‏

وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بن وضاح قال حدثنا عبد الله بن أبي حسان قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقبل جوائز الأمراء وروى الأعمش وغيره عن حبيب بن أبي ثابت قال رأيت هدايا المختار تأتي بن عباس وبن عمر فيقبلانها قال أبو عمر قبل جوائز الأمراء جمهور العلماء منهم عامر الشعبي والحسن البصري وإبراهيم النخعي وبن شهاب الزهري والقاسم بن مخيمرة والحسن بن محمد بن الحنفية وثابت البناني ويزيد الرقاشي وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس وسفيان الثوري وبن عيينة والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي وأبو يوسف ومحمد وكان يحيى بن سعيد الأنصاري في ديوان الوليد وكان جماعة من العلماء يأخذون من بني أمية العطاء وكان سفيان الثوري يقول جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان لأن الإخوان يمنون وكان يحتج بقول بن مسعود ذلك المهنى وعليك المأثم‏.‏

وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا الأعرابي قال حدثنا عباس الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول حدثني عبيد الله بن ثور بن أبي الخلال العتكي قال حدثنا الخلال بن ثور عن عبد المجيد بن وهب عن أبي الخلال قال سألت عثمان بن عفان عن جائزة السلطان قال لحم ظبي ذكي قال أبو عمر روينا عن الحسن بن أبي الحسن من وجوه أنه كان يقول لا يرد جوائزهم إلا أحمق أو مرائي قال أبو عمر ما أعلم أحدا لم يقبل جوائز السلطان من علماء التابعين إلا سعيد بن المسيب وبن سيرين وقد ذكرنا كثيرا من الآثار عنهم في التمهيد وقد أفرد لها أحمد بن خالد - رحمه الله - وكان أعلم رجل بالأندلس جمع علم الأصول والفروع كتابا جمع فيه ما انتهى من ذلك إليه وزدنا فيه آثارا لم يروها والله أعلم‏.‏

وأما سؤال الناس فمكروه غير جائز لم نجد عنه بدا حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد قال حدثنا سحنون قال حدثنا بن وهب قال أخبرني الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع أباه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ومن حديث شعبة عن بسطام بن مسلم عن عبد الله بن خليفة عن عائذ بن عمرو أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه فلما وضع رجله على إسكفة الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما في السؤال ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا وحديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم من تكفل لي ألا يسأل الناس شيئا أتكفل له الجنة وحديث قبيصة بن المخارق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المسألة لا تحل إلا في ثلاث رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أضاقته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه قد أصابت فلان الفاقة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك وما سواهن من المسائل يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار وغيرها في معناها في التمهيد والحمد لله‏.‏

1886- مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله لنا شيئا نأكله وجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول لعمري إنك لتعطي من شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليغضب علي أن لا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا قال الأسدي فقلت للقحة لنا خير من أوقية قال مالك والأوقية أربعون درهما قال مالك فرجعت ولم أسأله فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله عز وجل هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة عن مالك عن زيد عن عطاء عن رجل من بني أسد وقد رواه عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وعن بن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري حديث في هذا المعنى بغير هذا اللفظ وقد تقدم ذكره ولا أعلم خلافا بين العلماء في كراهة السؤال لمن له أوقية أو عدلها وقد اختلفوا في المقدار الذي تحرم به الصدقة المفروضة على من ملكه وقد ذكرنا هذا المعنى في كتاب الزكاة والحمد لله‏.‏

وأما السؤال فمكروه غير جائز عند جميعهم لمن يجد منه بدا وروينا عن عبد الله بن عباس أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما أوصاه به إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ولقد أحسن بعض الأعراب في قوله‏:‏

علام سؤال الناس والرزق واسع *** وأنت صحيح لم تخنك الأصابع

وللعيش أوكار وفي الأرض مذهب *** عريض وباب الرزق في الأرض واسع

فكن طالبا للرزق من رازق الغنى *** وخل سؤال الناس فالله صانع

وقال عبيد بن الأبرص‏:‏

من يسأل الناس يحرموه *** وسائل الله لا يخيب

وقال مسلم بن الوليد‏:‏

أقول لمأفون البديهة طائر *** مع الحرص لم يغنم ولم يتمول

سل الناس إني سائل الله وحده *** وصائن عرضي عن فلان وعن خل

وقد أتينا من أشعار الشعراء في هذا المعنى مع أقاويل العلماء في كتاب بهجة المجالس بما فيه شفاء والحمد لله‏.‏

وأما قوله في الحديث للقحة خير من أوقية فاللقحة الناقة اللبون وقال أحيحة بن الجلاح‏:‏

تبوع للحليلة حيث كانت *** فما يعتاد لقحته الفصيل

وقال الأصمعي لقاح الإبل أن تحمل سنة‏.‏

1887- مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمعه يقول ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع عبد إلا رفعه الله قال مالك لا أدري أيرفع هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا قال أبو عمر هذا حديث محفوظ مسند صحيح عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناها من طرق شتى كثيرة عن العلاء بإسناده كما وصفنا ومثله لا يقال بالرأي ومعنى قوله ما نقصت صدقة من مال أي لا تنقص الصدقة المال لأنه مال مبارك فيه إذا أديت زكاته وتطوع منه صاحبه لأن الصدقة تضاعف إلى سبعمائة ضعف ويجدها صاحبها وقت الحاجة إليها كجبل أحد مضاعفة أضعافا كثيرة فأي نقصان مع هذا‏.‏

وحدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير‏.‏

وحدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا علي بن جعفر بن محمد البغدادي قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال حدثنا أبو الربيع‏.‏

وحدثنا أحمد بن فتح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري قال حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عن عاصم بن علي قال حدثنا إسماعيل بن جعفر قال أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله اللفظ لحديث إسماعيل بن جعفر‏.‏

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا القاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما نقصت صدقة من مال ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا ولا تواضع رجل إلا رفعه الله وليس في هذا الحديث موضع للقول ولا مدخل للتفسير والشرح والحمد لله‏.‏

باب ما يكره من الصدقة

1888- مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس قال أبو عمر هذا المعنى يستند من حديث مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث الحديث الطويل ولا أعلم رواه وأسنده عن مالك إلا جويرية بن أسماء وسعيد بن داود بن أبي زنبر الزنبري وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس وهذا عندنا الصدقة المفروضة لأن عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس أرادا أن يستعملهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فنهاهما علي رضي الله عنه عن سؤال رسول الله فلم يقبلا منه وردا عليه قوله وأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال لهما إن الصدقة أوساخ الناس لا تنبغي لآل محمد وأمر لهما بما أراده من الخمس والحديث مذكور بتمامه في التمهيد وقد ذكرنا اختلاف العلماء في آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة في غير هذا الموضع وهو اختلاف متباين ونذكر منه ها هنا ما عليه أئمة الفتيا قال أبو عمر قال مالك - رحمه الله - لا تحل الصدقة لآل محمد ولا بأس أن تعطى مواليهم وإنما تحرم على آل محمد الصدقة المفروضة دون التطوع ولم يذكر من آل محمد عنده وقد اختلف أصحابه على ما قد ذكرناه في كتاب اختلافهم فقال الثوري - رحمه الله - لا يأخذ موالي بني هاشم الصدقة ولم يفرق بين النفل والفرض‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه ذوو القربى الذين تحرم عليهم الصدقة فهم بنو هاشم آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب وولد عبد المطلب جميعا ومواليهم وإنما تحرم عليهم الصدقة الواجبة فأما التطوع فلا هذا ما ذكره الطحاوي عنهم في مختصره في كتاب الاختلاف وذكر الطبري في تهذيب الآثار قال قال أبو حنيفة الصدقة حلال لبني هاشم وقال أبو يوسف لا تحل لهم الصدقة من غيرهم وتحل لبعضهم من بعض‏.‏

وقال الشافعي تحرم صدقة الفرض على بني هاشم وبني عبد المطلب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سهم ذي القربى وتحل صدقة التطوع عليهم وعلى كل أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر روى أبو رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم وفي هذا الحديث عندي نظر وقد روى أبو حيان التميمي عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم أنه قيل له من آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة قال آل علي وآل جعفر وآل عباس وآل عقيل قال أبو عمر قول من قال هم بنو هاشم من بني عبد المطلب بن هاشم وأسد بن هاشم وسائر بني هاشم أولى وحجة من قال هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وقد قيل إنهم قريش كلهم وهذا قول ضعيف‏.‏

وأما قوله أوساخ الناس فقد بان في حديث مالك في هذا الباب‏.‏

1889- مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال قال عبد الله بن الأرقم ادللني على بعير من المطايا أستحمل عليه أمير المؤمنين فقلت نعم جملا من الصدقة فقال عبد الله بن الأرقم أتحب أن رجلا بادنا في يوم حار غسل لك ما تحت إزاره ورفغيه ثم أعطاكه فشربته قال فغضبت وقلت يغفر الله لك أتقول لي مثل هذا فقال عبد الله بن الأرقم إنما الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم وخرج قوله أوساخ الناس مخرج المثل السائر المضروب في كراهة الصدقة لمن وجد عنها غنى ومعناه يقتضي وجهين يعضدهما الأصول أحدهما أن الأوساخ التي ضرب بها المثل هي على الغني حرام لأن الكلام خرج على الصدقة المفروضة وهي لا تحل للأغنياء والوجه الآخر أن الصدقة كلها مكروهة لكل من يجد عنها بدا بقوته على الاكتساب والتخوف في طلب الرزق وإن كان فقيرا فقد أوضحنا المعنى الذي يحرم الصدقة على السائل فيما تقدم قال أبو عمر وفي هذا عندي حجة لمن قال في الماء المستعمل إنه ماء الذنوب كراهة له لأنها تنجسه‏.‏

1890- مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة فلما قدم سأله إبلا من الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف به الغضب في وجهه أن تحمر عيناه ثم قال إن الرجل ليسألني ما لا يصلح لي ولا له فإن منعته كرهت المنع وإن أعطيته أعطيته ما لا يصلح لي ولا له فقال الرجل يا رسول الله لا أسألك منها شيئا أبدا قال أبو عمر هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت رواه أحمد بن منصور البلخي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أنس وقد ذكرناه في التمهيد والصحيح ما في الموطأ والقول في معناه بين لأن الأشهل الأنصاري سأله عن الصدقة ما استحقه بعمالته عليها وكان غنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يعرف حد الغنى عند نفسه فسأل ما يظنه حلالا له فأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بان له به علم ما يحل له من الصدقة الواجبة فكف عن ذلك‏.‏

كتاب العلم

باب ما جاء في طلب العلم

1891- مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء قال أبو عمر قد أفردنا لفضائل العلم جزءا كاملا في كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله فمن أراد الشفاء من هذا طالعه هناك فاشتفى وبالله التوفيق وروينا عن أسد بن موسى عن بكر بن خنيس عن ضرار بن عمرو عن محمد بن سيرين قال إن قوما تركوا طلب العلم ومجالسة العلماء وأخذوا في الصلاة والصيام حتى يبس جلد أحدهم على عظمه ثم خالفوا السنة فهلكوا وسفكوا دماء المسلمين فوالذي لا إله غيره ما عمل أحد عملا على جهل إلا كان يفسد أكثر مما يصلح‏.‏

كتاب دعوة المظلوم

باب ما يتقى من دعوة المظلوم

1892- مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى فقال يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياي ونعم بن عوف ونعم بن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول يا أمير المؤمنين ‏!‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ أفتاركهم أنا لا أبا لك فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا قال أبو عمر أما دعوة المظلوم فقد ثبت فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنها لا ترد وكذلك في ما يروى من صحف إبراهيم فأما الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك فمنه ما حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن زكريا بن إسحاق قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن بن عباس عن معاذ بن جبل وربما قال وكيع عن بن عباس أن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب وقال‏.‏

وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن رجلا أتى معاذا فقال أوصني قال إياك ودعوة المظلوم وقال أبو بكر في المصنف حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه وذكر سنيد قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا أبو معشر فذكر بإسناده مثله وعن علي رضي الله عنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم إمام عادل في رعيته والوالد لولده والمظلوم لظالمه قال أبو الدرداء دعوة المظلوم تصعد إلى السماء فتفتح لها أبواب السماء وعن أبي الدرداء أيضا إياكم ودعوة المظلوم وبكاء اليتيم فإنهما يسريان بالليل والناس نيام ولقد أحسن القائل‏:‏

نامت جفونك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم

وقال عون بن عبد الله أربع دعوات لا يحجبن عن الله دعوة والد راض وإمام مقصد ودعوة المظلوم ودعوة رجل دعا لأخيه بظهر الغيب قال أبو عمر كذلك أسانيد هذه الأحاديث في كتاب أبي بكر وغيره في الدعاء وفي هذا الحديث ما كان عمر عليه من التقى وخوف الله وإيثار طاعة الله وإنه كان لا يخاف أحدا في الله ألا ترى أنه لم يداهن عثمان ولا عبد الرحمن لموضعهما من الغنى وآثر المساكين والضعفاء والصريمة تصغير صرمة وهي القطعة الصغيرة من الماشية وفعل عمر هذا أصله السنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حمى إلا لله ولرسوله يعني إبل الصدقة ورأى عمر مواساة الضعفاء من ذلك الحمى لأن ذلك أيسر عليه من الذهب والورق كما قال وفي هذا الحديث دليل على أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف كانا من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقدموا المدينة لا شيء لهم فتجروا فبارك الله لهم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر العاشر في السائب والنعم وهو اسم جل الإبل والبقر والغنم وقوله اضمم جناحك يقول لا تستطل على أحد لمكانك مني واتق دعوة المظلوم‏.‏

كتاب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم

باب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم

1893- مالك عن بن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب هكذا رواه يحيى مرسلا ولم يقل فيه عن أبيه وتابعه على ذلك أكثر الرواة للموطأ وممن تابعه على ذلك القعنبي وبن بكير وبن القاسم وعبد الله بن يوسف وإسماعيل بن أبي أويس وأسنده عن مالك - فقال فيه عن بن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه معن بن عيسى وعبد الله بن نافع وأبو مصعب ومحمد بن المبارك الصوري ومحمد بن عبد الرحيم وبن شدوس الصنعاني وإبراهيم بن طهمان وحبيب كاتبه ومحمد بن حرب وأبو حذافة وكان القعنبي يحدث به عن مالك مرسلا وعن سفيان بن عيينة مسندا عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث مالك سواء ولم يختلف عن بن شهاب أنه رواه عن محمد بن جبير عن أبيه وقد روي عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه رواه هكذا حماد بن سلمة عن جعفر بن أبي وحشية عن نافع بن جبير بن مطعم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والعاقب وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة وأبو موسى وقد ذكرنا ذلك عنهم في التمهيد أخبرنا علي بن إبراهيم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا العباس بن محمد بن العباس البصري قال حدثنا أحمد بن صالح قال قرأت على عبد الله بن نافع قال حدثني مالك عن بن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لي خمسة أسماء وأنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده أحد وكذلك رواه أصحاب بن شهاب عن محمد بن جبير عن أبيه مسندا كما رواه هؤلاء ومعنى قوله يحشر الناس على قدمي أي قدامي‏.‏

وأمامي كأنهم يجتمعون إليه وينضمون حوله ويكونون أمامه ووراءة يوم القيامة قال الخليل حشرتهم السنة إذا ضمتهم من النواحي وقد قيل على قدمي على سابقتي من قوله تعالى ‏(‏وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم‏)‏ ‏[‏يونس 2‏]‏‏.‏

والقدم السابقة بإخلاص الصدقة والطاعة قال حسان بن ثابت الأنصاري‏:‏

لنا القدم العليا إليك وخلفنا *** لأولنا في طاعة الله تابع

وقال ذو الرمة‏:‏

لكم قدم لا ينكر الناس أنها‏.‏‏.‏‏.‏ مع الحسب العادي طمت على البحر‏.‏

وأما العاقب فقد جاء عنه في هذا الحديث وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي قال أبو عبيد سألت سفيان بن عيينة عن العاقب فقال لي آخر الأنبياء وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب قال أبو عمر هذا يشهد له كتاب الله تعالى في قوله ‏(‏ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين‏)‏ ‏[‏الأحزاب 40‏]‏‏.‏

وذكر بن وهب عن مالك قال ختم الله به الأنبياء وختم بمسجده هذه المساجد قال أبو عمر قال عباس بن أنس السلمي‏:‏

يا خاتم النبأ إنك مرسل بالحق *** كل هدى السبيل هداكا

إن الإله ثنى عليك محبة *** في خلقه ومحمدا سماكا

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا أبو رجاء المعلالي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال أحسن بيت قيل فيما قالوا قول عبد المطلب أو قول أبي طالب‏:‏

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

قال أبو عمر قد قيل إن أصدق بيت قاله شاعر‏:‏

فما حملت من ناقة فوق رحلها *** أبر وأوفى ذمة من محمد

وهذا البيت في شعر لأبي إياس الديلي يمدح به النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت أبا إياس في كتاب الصحابة والحمد لله حدثنا محمد بن عبد الملك قراءة مني عليه قال حدثني أبو سعيد بن الأعرابي قال حدثنا أبو الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال حدثنا سعيد بن سليم قال حدثنا منصور بن الأسود عن ليث عن الربيع عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أولهم خروجا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهن بيض مكنون أو لؤلؤ منثور حدثنا محمد بن عبد الملك قال حدثنا بن الأعرابي قال حدثنا الزعفراني قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عبد الواحد قال حدثنا المختار بن فلفل قال حدثنا أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا اكثر الأنبياء أتباعا يوم القيامة يجيء النبي وليس معه مصدق غير رجل واحد وأنا أول شافع وأول مشفع صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما